غزوة أحد

من موسوعة الهدى الإسلامية

اذهب إلى: تصفح, البحث
غزوة أحد
Ohad.jpg
مخطط لغزوة أحد
التاريخ السنة الثالثة هـ
الموقع أحد
النتيجة انتصار قريش
المتحاربون
المسلمين قريش وبعض من تهامة وكنانة
القادة
النبي محمد بن عبد الله ًصلى الله عليه وسلم أبو سفيان بن حرب
القوى
700 3000
الخسائر
75 غير معروف

تعتبر غزوة أحد ثاني غزوة رئيسية في التاريخ الإسلامي حيث وقعت في شوال من السنة الثالثة للهجرة بعد غزوة بدر الكبرى بعام تقريبا. وفي أول ما اعتبر هزيمة نسبية لجيش المسلمين بسبب مخالفتهم أوامر رسول الله -صلى الله عليه و سلم-، خرج جيش المسلمين للقاء جيش المشركين الذين اغتاظوا وثاروا وجاؤوا ليثأروا بعد هزيمتهم وانتصار المسلمين عليهم في بدر.وسميت أحد بهذا الإسم لأنها تمت بالقرب من جبل أحد على بعد 4 كلم شمال المدينة المنورة.و نزلت إثرها العديد من الآيات القرآنية سيما في سورة آل عمران حيث استخلص المسلمون منها العديد من الدروس و العبر.

 

محتويات

[عدل] الأسباب و الدوافع

بعد الهزيمة الساحقة التي لحقت بالمشركين في بدر ومقتل صنانيدها و ضياع كبريائها، عزم الباقون منهم بقيادة أبي سفيان على الثأر واستئصال شأفة الإسلام والمسلمين. فقاموا يجمعون المقاتلين منهم و يحرضون غيرهم من القبائل. كما أنهم تضرروا من سرايا المسلمين التي كانت تعترض القوافل التجارية فكان لابد لهم من تأمين طرق هذه التجارة وهم الذين أخرجوا المسلمين من ديارهم واستولوا على أموالهم في مكة. كما أن المسلمين علموا أن قريشا لن تهدأ على مصابها الجلل في بدر و أنها لا بد و أن تأتي لتثأر قريبا فأعدوا العدة لما علموا بقدومها للدفاع عن دينهم و أنفسهم.

[عدل] الإعداد و الخروج للمعركة

[عدل] إعداد المشركين:

جمعت قريش ما يقارب من ثلاثة آلاف مقاتل منهم مائتي فارس وخرجوا بالنساء والذراري بناءا على أوامر أبي سفيان لكي يقاتلوا قتال المستميت. وكان العباس بن عبد المطلب يومها مشركا في مكة، فأرسل إلى النبي محمد -صلى الله عليه و سلم- بخبر خروج المشركين. ولكن النبي محمد لم يعتمد أخباره إلا بعد أن تأكد منها من خلال مبعوثه الحباب بن المنذر. ووضع المشركون خطتهم لقتال جيش المسلمين عند أحد واستعملوا أمهر قادتهم فجعلوا خالد بن الوليد على ميمنة الجيش عكرمة بن أبي جهل.

[عدل] إعداد المسلمين:

جبل أحد

أما معسكر الإسلام فقد قام الرسول -صلى الله عليه وسلم- باستشارة أصحابه في مكان اللقاء. وهل يخرجون للقاء العدو أم يتحصنون في المدينة بحيث يصعب على الكفار قتالهم في شوارعها فيسهل على عامة المسلمين و نساءهم المشاركة في القتال من أسطح البيوت وشرفاتها. وكان رأي الرسول -صلى الله عليه وسلم يميل لهذا الأخير وكان من مؤيدي هذا الرأي عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين. ولكن بعض الصحابة الذين فاتهم فضل بدر وتاقوا إلى الشهادة و أجرها ألحوا على الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالخروج و قالو: "لا يرون أنا جبنا عن لقائهم". فنزل الرسول -صلى الله عليه وسلم- على رغبتهم و دخل ليلبس لأمته للخروج للقاء العدو خارج المدينة.

أحس بعض الصحابة أنهم بالغوا في الإلحاح على الرسول صلى الله عليه وسلم و آثروا رأيهم فتلاوموا وندموا. ثم أرسلوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمه حمزة بن عبد المطلب ليخبره أن أمرهم لأمره تبع وإنهم إذا أراد البقاء في المدينة فإنهم باقون. ولكن الرسول -صل الله عليه و سلم- كان قد حزم أمره على الخروج لملاقاة العدو خارج المدينة فقال لعمه: "إنه لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه".

جهز الرسول -صلى الله عليه وسلم- جيش المسلمين بسبعمائة (وقيل ألف) مقاتل منهم خمسين فارسا ليخرجوا عبر طريق مختصر إلى جانب جبل أحد حيث عسكر المشركين. و استعمل على المدينة عبدالله بن أم مكتوم مع بعض النفر ليحموها إذا تعرضت للخطر.

[عدل] رؤيا أحد:

روى بعض أصحاب السير أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى قبل غزوة أحد رؤيا و تأولها. وكان أنه رأى " أن في سيفه ثلمة وأن بقرا تذبح . وأنه يدخل يده في درع حصينة . فتأول الثلمة برجل يصاب من أهل بيته والبقر بنفر من أصحابه يُقتلون والدرع بالمدينة " ولأن رؤيا الأنبياء حق، خرج وقال لأصحابه " عليكم بتقوى الله والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو . وانظروا ماذا أمركم الله به فافعلوا". فكان أن وقع التأول كما رآه الرسول-صلى الله عليه وسلم- كما سيظهر لاحقا.

[عدل] أحداث الطريق:

[عدل] المنافق الضرير:

كان الطريق المختصر الذي سلكه المسلمين يمر بأرض لأحد المنافقين ضرير ويقال له مربع (وقيل ربعي) بن قيظي. فعندما أحس بقدوم المسلمين منعهم من المرور و أخذ ينثر التراب في وجوههم قائلا: "لا أحلّ لكم أن تدخلوا حائطي" ، ثم قال عن التراب "والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربتُ بها وجهك" ، فهمّ الصحابة ليقتلوه لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- نَهاهم وقال : "لا تقتلوه ؛ فهذا أعمى القلب أعمى البصر".

[عدل] رجوع ثلث الجيش:

وعندما وصل الجيش لمنطقة يقال لها الشوط بين المدينة و أحد، انسحب رأس المنافقين عبدالله بن أبي بن سلول ومعه ثلث الجيش، مبيتا النية أن يشتت المسلمين ويفتّ في عضدهم. وقد برر فعله الشنيع باستبعاده أن يحدث قتال، واعتراضه على قرار القتال خارج المدينة، فقال: " أطاعَ الولدانَ ومن لا رأي له ، أطاعهم وعصاني ، علام نقتل أنفسنا ؟ "، فحاول عبدالله بن حرام رضي الله عنه أن يثنيهم عن عزمهم ، وقال لهم : "يا قوم ، أذكّركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيّكم عندما حضر عدوّهم" ، فردّوا عليه : "لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسْلمناكم ، ولكنّا لا نرى أن يكون قتالٌ" ، فأخبر الله عن حالهم في القرآن في قوله تعالى : {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين ، وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون} (آل عمران : 166 - 167).

وكانت هناك طائفتان من المسلمين على وشك أن يفتوا مع هذا الثلث ويرجعوا ولكن الله ثبتهم لسابق إيمانهم وتوكلهم على الله، ثم أنزل فيهم:{إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليّهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون} ( آل عمران : 122 )

[عدل] رفض الإستعانة باليهود

لما سمع بعض الصحابة بعدد جيش المشركين وكيف أن قريشا ألبت القبائل الأخرى من تهامة وكنانة و اتخذت منهم لجيشها و قوتها، عرض بعض الأنصار على الرسول-صلى الله عليه وسلم- الإستعانة ببعض أحلافهم من اليهود. فأبى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

[عدل] يوم المعركة

في يوم السبت وصل جيش المسلمين إلى جبل أحد. وقام النبي -صلى الله عليه وسلم- باختيار أرض المعركة التي تناسب الخطة العسكرية التي بيتها، والتي كانت أن يجعل الجيش الإسلامي ظهره للجبال ومستقبلين المدينة واختار خمسين من أمهر الرماة وجعلهم على جبل يقال له عينين ليتصدوا لأي محاولة للإلتفاف عليهم. وأمّر عليهم عبدالله بن جُبير رضي الله عنه وأكد عليهم لزوم أماكنهم قائلا:"إن رأيتمونا تخْطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هَزَمْنا القومَ فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وانضحوا عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا، إنا لن نزال غالبين ما ثبَتّم مكانكم". ثم قام عليه الصلاة والسلام بتقسيم أفراد الجيش إلى ثلاث كتائب: كتيبة المهاجرين بقيادة مصعب بن عمير رضي الله عنه، وكتيبة الأوس بقيادة أُسيد بن حضير رضي الله عنه، وكتيبة الخزرج يحمل لواءها الحُباب بن المنذر رضي الله عنه، وأعطى اللواء مصعب بن عمير، وجعل على إحدى الجانبين الزبير بن العوام وعلى الأخرى المنذر بن عمرو . ثم نظر إلى الشباب، فرد من استصغرهم عن القتال - كابن عمر و أسامة بن زيد والبراء وزيد بن أرقم وعرابة الأوسي، وعدهم البعض بأربعة عشر غلاماً، واستثنى بعض الصغار لقدراتهم الخاصة كرافع بن خديج رضي الله عنه لكونه راميا ماهرا، و سمرة بن جندب رضي الله عنه لبنيته القويّة.

وقبل بداية القتال عمل أبو سفيان محاولة لتشتيت وتفريق جمع المسلمين، فنادى في الأنصار قائلا:"خلّوا بيننا وبين ابن عمّنا؛ فننصرف عنكم، ولا حاجة لنا بقتالكم"، لكنهم قبّحوا كلامه وردّوا عليه بما يكره، ومع ذلك لم ييأس المشركين فحاولوا مرة أخرى عن طريق رجل يقال له أبو عامر الراهب (و سمي لاحقا الفاسق) -عبد عمرو بن صيفي-، و كان رأس الأوس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام جاهر بعداوته للإسلام، وذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم و وعدهم بأن قومه إذا رأوه أطاعوه وامتنعوا عن حرب قريش. فلما كانت المعركة ناداهم قائلا:" يا معشر الأوس، أنا أبو عامر" فقالوا له:"فلا أنعم الله بك عيناً يا فاسق" ، فلما سمعهم قال:" لقد أصاب قومي بعدي شر". ثم قاتلهم وأرضخهم بالحجارة. عندها أدرك المشركين استحالة التفريق بين هذا الجيش المتلاحم القوي وأنه لا مناص من مواجهته كاملا.

[عدل] منازلات فردية

بدأ القتال بمنازلات فردية بين رجال من كلا الطرفين. وكانت لها أثر في رفع معنويات الجيش المسلم و إركاس معنويات المشركين لأن مبارزي المسلمين هزموا مبارزي المشركين. حيث خرج علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- للرجل الأول من المشركين (يقال أنه طلحة بن أبي طلحة) وبارزه علي فقتله. وكذلك الثاني الذي خرج له الزبير بن العوام.

[عدل] تلاحم الرجال ومواقف الأبطال

مخطط لغزوة أحد

ثم بدأ تلاحم الصفوف، واشتدّ القتال، وكان شعار المسلمين يومئذٍ: أمِتْ أمِتْ، وتوكل المسلمون على ربهم واستبسلوا دفاعا عن دينهم حتى استطاعوا قتل أصحاب اللواء من بيت عبد الدار فأخذ اللواء بعده شخص يسمى أبو سعد فقتله سعد بن أبي وقاص، ثم أعمل المسلمون السيف في عدوهم و انتشر المسلمون على شكل كتائب متفرقة فاستطاعت نبال المسلمين إصابةالكثير من خيل المشركين. و تحت هذا الضغط الشديد بدأ جيش المشركين تدريجيا بإلقاء دروعهم وتروسهم ومفارقة عدتهم تخففا للهرب، ثم بدؤوا في التراجع و الهروب، الأمر الذي أغرى بعض المسلمين واستعجلوا النصر فبدؤوا بجمع الغنائم.

[عدل] مخالفة الرماة لأوامر الرسول-صلى الله عليه و سلم- و عاقبته:

لما رأى الرماة هذا صاح بعضهم:"الغنيمة ، الغنيمة" ونزل معظمهم من على الجبل يريدون الغنيمة، فقال لهم أميرهم عبد الله بن جبير:"أنسيتم ما قال لكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، فلم يلتفتوا إليه وقالوا:"والله لنأتين الناس فلنصيبنّ من الغنيمة " فغادروا أماكنهم متجهين صوب الغنائم في الوادي.

عندها وجد خالد بن الوليد فرصةً سانحة كي يلتف على المسلمين و يدير دفّة المعركة لصالح المشركين، وبالفعل انطلق مع مجموعة من الفرسان إلى الجبل ليحيطوا بالمسلمين من كلا الطرفين، ففوجئ المسلمون بهذا الحصار، وتشتت تركيزهم و تباطأ تقدمهم، حتى استعاد المشركين ثباتهم و بدؤوا بالهجوم من جديد لما رأوا من سيطرة خالد على الجبل و تقهقر المسلمين.

[عدل] شجاعة أبي دجانة -رضي الله عنه-:

روى بعض أصحاب السير أن النبي- صلى الله عليه وسلم- أخذ سيفاً له يوم أحد فقال لأصحابه:"من يأخذ هذا السيف؟" فبسطوا أيديهم يريدون أخذه، فقال: "من يأخذه بحقه؟" ، فأحجم القوم، إلا أبو دجانة رضي الله عنه تقدم قائلا:"أنا آخذه يا رسول الله بحقه، فما حقه؟"، فقال له:"أن لا تقتل به مسلماً، ولا تفرّ به عن كافر"، فدفعه إليه، فربط على عينيه عصابته الحمراء المشهورة وجعل يمشي بين الصفين مختالاً في مشيته، منشداً:

أنا الذي عاهدني خليلـي      ونحن بالسفح لدى النخيل
ألا أقوم الدهر في الكيول      أضرب بسيف الله والرسـول 

فنظر إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال:"إنها مشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع"، فتشجع أبودجانة و الصحابة وجعل أبودجانة يضرب المشركين بالسيف حتى انحنى.

كما كان لأبي دجانة موقفه المشرف عندما تفرق الناس حول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعدما أشيع مقتله. فلا يزال يصد السهام و الرماح عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بظهره حتى أصبح ظهره كظهر القنفذ.

[عدل] إشاعة مقتل رسول الله -صلى الله عله و سلم-:

وكان المشركين في هذه الأثناء يحاولون الوصول إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ظانين أنهم إن قتلوه فإنهم قضوا على الإسلام و استأصلوا شأفته. فتقدموا داخل الصفوف لكي يجدوه. فما لبثوا أن وصلوا إليه وحاولوا قتله، لكن ثباته -صلى الله عليه وسلم- هو و أصحابه من حوله حال بينهم وبين مرادهم. إلا أنهم شجوا رأسه الشريف و كسروا رباعيته الشريفة. ويروى هنا أن أحد المشركين يقال له (ابن قمئة) عَمِدَ إلى مصعب بن عمير رضي الله عنه بالقرب من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأجهز عليه، وشبّه مصعباً بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، فجعل الرجل يصيح :"قد قتلتُ محمداً"، وسرت هذه الإشاعة بين الناس سريعاً. و في رواية أخرى أن الشيطان صرخ بالناس إن محمدا قد قتل فكانت الصدمة الثانية والأقوى على معظم المسلمين. مما حدى ببعض المسلمين أن يفقدوا الأمل ويلقوا سلاحهم قائلين: "قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم".

[عدل] ثبات أنس بن النضر-رضي الله عنه-:

لكن ثبت الله منهم بعض الصحابة أمثال الصحابي الجليل أنس بن النضر رضي الله عنه فقام فيهم قائلا يقصد رسول الله:"ما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه". ثم استقبل الناس وتنفس الهواء، مقابلا سعد بن معاذ رضي الله عنه، وقال له قولته الشهيرة: "يا سعد، إني لأجد ريح الجنة دون أحد". فانغمس في المشركين وقاتل حتى لقي الله -تعالى-، وفي جسده بضعٌ وثمانون جرحا ما بين ضربة سيفٍ، أو طعنة رمح، أو رمية سهم، حتى صعب على أخته أن تتعرّف عليه سوى من علامة إبهامه، ويروى أن فيه وأمثاله أنزل الله آية: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} (الأحزاب : 23)

[عدل] عمرو بن الجموح:الأعرج المجاهد

وهذا عمرو بن الجموح رجل أعرج لا جهاد عليه، قد أسقط الله عنه الجهاد، لكنه يسمع منادي الجهاد:" يا خيل الله اركبي، حي على الجهاد"، فلا يصبر على القعود مع عذره، مع أن أبناءه الأربعة الذين ما تركوا غزوة مع رسول الله حاولوا منعه قائلين:"يا أبانا لقد أسقط الله عنك الجهاد، ونحن نكفيك". فلا يقبل ذلك منهم وينطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم باكيا شاكياأبناءه قائلا:"يا رسول الله! إن أبنائي يمنعوني من الخروج للجهاد في سبيل الله، ووالله إني لأريد أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة"، فيلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمرو ويقول:"يا عمرو لقد أسقط الله عنك الجهاد، فقد عذرك الله جل وعلا"، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى الرغبة الصادقة في عمرو بن الجموح للجهاد في سبيل الله، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبنائه الأربعة يقول لهم:"لا تمنعوه! لعل الله أن يرزقه الشهادة في سبيله". وففرح عمرو فرحا شديدا وانطلق يبتغي الموت مظانه طمعا في الشهادة في سبيل الله، ولما رأى الله من صدقه، رزقه الله -تعالى- مراده، صدق الله فصدقه الله _تعالى_. ويمر عليه النبي صلى الله عليه وسلم بعدما قتل فيقول:"والله لكأني أنظر إليك تمشي برجلك في الجنة وهي صحيحة".

[عدل] أبو طلحة:الحرص على الرسول

كان أبو طلحة -رضي الله عنه- حريصا على الجهاد في كل حياته، وحضر أبو طلحة مع الرسول-صلى الله عليه وسلم- كل الغزوات، وكان في غزوة أحد إذا رمى أبو طلحة سهمًا يرفع بصره ينظر إلى أين يقع السهم، وكان يدفع صدر الرسول بيده لخوفه عليه، ويقول:"يا رسول الله هكذا لا يصيبك سهم". وكان يقول له: "نفسي لنفسك الفداء، ووجهي لوجهك الوقاء"

[عدل] سعد بن أبي وقاص: إرم سعد فداك أبي و أمي

شارك سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في غزوة أحد بكل مراحلها واستبسل أكثر بالدفاع عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- في أحد عندما تفرق الناس عنه أول الأمر. لكن سعدا كان معروفا بدقة رميه وشجاعته وإثخانه، فوقف سعد يرمي المشركين و يدفع بكل ما أوتي من قوة، فلما رآه الرسول -صلى الله عليه وسلم- يرمي، جعل يحرضه ويقول له:"ارم سعد، فداك أبي وأمي"، وظل سعد يفتخر بهذه الكلمة طوال حياته ويقول:"ما جمع الرسول -صلى الله عليه وسلم-لأحد أبويه إلا لي" وذلك حين فداه بهما.

[عدل] قدوة النساء أم عمارة: نسيبة بنت كعب

خرجت أم عمارة يوم أحد بالقراب لتسقي جرحى المسلمين، فلما رأت النبي صلى الله عليه وسلم في أرض المعركة بعد إشاعة مقتله وتراجع الجيش الإسلامي، أحبت أن تطمئن على رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، فرأته و الأعداء قد أحاطو بهعن يمنة ويسرة ولا يدافع عنه إلا القليل من الصحابة، فانطلقت ورمت القراب التي كانت تسقي بها جرحى المسلمين، وأخذت تدفع عن النبي صلى الله عليه وسلم بجسدها. حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم عنها:"ما رأيت مثل ما رأيت من أم عمارة في ذلك اليوم، ألتفتُ يمنة و أم عمارة تذود عني، والتفت يسرة و أم عمارة تذود عني"، وقال لها النبي صلى الله عليه وسلم في أرض المعركة:" من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة ؟! سليني يا أم عمارة" قالت:"أسألك رفقتك في الجنة يا رسول الله" قال:"أنتم رفقائي في الجنة".

[عدل] سيد الشهداء: حمزة بن عبد المطلب

كان وحشي عبْدا عند جُبَيْرِ بنِ مُطْعَم، وكان عمه طُعَيْمَةُ بنُ عدِيٍّ قُتِلَ يوم بدر. فقال جبير لوحشي: إِن قتلْت حمزة فأَنت حر. وكان وحشي صاحب حربة، قلما يخطئ بِها، فخرج مع النَاس، فلما التقوا أخذ حربته، وخرجت يبحث عن حمزة، حتى رآه في عرض الناس مثل الجمل الأورق، يهد الناس بسيفه هداًً، فتهيأ لرميه ولكن تقدمه سباعُ بنُ عَبْدِ العُزَّى الخُزَاعيُّ. فلما رآه حمزة، قال: هلم إِلي يا ابن مُقَطِّعَةِ البُظُوْرِ. ثمَ ضربه حمزة، فقال وحشي:"فوالله لكأَن ما أَخطأَ رأْسهُ، ما رأيت شيئاً قط كان أسرع من سقوط رأْسه. فهززت َحربتي، حتى إِذا رضيت عنها، دفعتها عليه، فوقعت فِي ثُنَّتِهِ، حتى خرجت بين رِجليه، فوقع، فذهب لِيَنُوْءَ، فَغُلِبَ، فتركته وإِياهَا، حتى إِذا ماتَ قمت إِليه، فأَخذت حربتي، ثم رجعت إِلى العسكرِ، فقعدت فيه ولم يكن لي حاجة بغيره"

وروي بعدها أن هند بنت عتبى قامت بالتمثيل في جسده الطاهر ولعقت كبده فلفظته.

[عدل] غسيل الملائكة حنظلة

روي أن حنظلة بن أبي عامر رضي الله عنه قد خطب لنفسه قبيل غزوة أحد جميلة بنت عبدالله بن أُبي بن سلول، واستأذن حنظلة رضي الله عنه النبي _صلى الله عليه وسلم_ أن يدخل بها فأذن له، فكانت ليلة غزوة أحد أسعد ليالي حنظله رضي الله عنه، وبعد أن زُفت إليه وأفضى حنظلة رضي الله عنه إلى عروسه في أول ليلة، سمع منادي الجهاد ينادي: "حي على الجهاد"، فترك حنظله عروسه ونسي فرحته، وتاق إلى الفرحة الكبرى وهي مجاهدة الكفار للفوز بإحدى الحسنيين، فأنساه هذا الحب ما هو بين يديه بل حتى أنساه الإغتسال، والتحق حنظلة برسول _الله صلى الله عليه وسلم_ وهو يسوي الصفوف، فلما انكشف المشركون، كان حنظله رضي الله عنه يثب على ارض المعركة ويتفحص الوجوه ليقضي على زعيم المشركين، فوقعت عينيه على أبي سفيان، فضرب عرقوب فرسه فقطعه، ووقع أبو سفيان إلى الأرض يصيح:"يا معشر قريش أنا أبو سفيان بن حرب"، وفيما كان حنظله رضي الله عنه يهم بأن ينقض عليه ويرديه قتيلا، كان ابن شعوب وهو شداد بن الأسود يراقبه فحمل على حنظله، فضربه بسيفه فقضى عليه وألحقه بقافله الشهداء. ثم تحدث رسول الله -صلى الله علية وسلم-عن حنظلة رضي الله عنه، فقال لأصحابه:"ما شأن حنظلة؟، إن صاحبكم لتغسله الملائكة" فسمي بغسيل الملائكة رضي الله عنه.

[عدل] في الجنة ولم يسجد لله سجدة

وكان الأصيرم - عمرو بن أقيش- يأبى الإسلام ، فلما كان يوم أحد ، قذف الله الإسلام في قلبه ، فأسلم وأخذ سيفه ،فقاتل حتى أُثخن بالجراح ، ولم يعلم أحد بأمره ، فوجده قومه وبه رمق يسير ، فقالوا : والله إن هذا الأصيرم ، ثم سألوه : " ما الذي جاء بك ؟ أنجدةً لقومك، أم رغبة في الإسلام ؟ " ، فقال : " بل رغبة في الإسلام ، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت "، ومات من وقته، فذكروه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فشهد له بالجنة، ولم يصل لله سجدة قط.

[عدل] اليهودي مخيريق

روي أن مخيريق كان عالما من يهود بني قينقاع (ويقال من بني القطيون) فلما كان يوم أحد، قال لقومه‏‏:"يا معشر يهود، والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق"، قالوا‏‏:"‏‏إن اليوم يوم السبت"، قال‏‏:‏‏ "لا سبت".‏‏ فأخذ سيفه وعدته، وقال لهم‏‏:"إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما يشاء"، ثم غدا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقاتل معه حتى قتل؛ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-فيما بلغنا–"مخيريق خير يهود"‏‏. وكان أوصى بأمواله للنبي صلى الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي سبع حوائط: الميثب والصائفة والدلال وحسنى وبرقة والأعواف ومشربة أم إبراهيم فجعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم صدقة قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق، وكان أحد بني ثعلبة بن الفطيون.

[عدل] استدراك المحنة

وأدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الأمور لن تعود إلى نصابها إلا بكسر هذا الطوق المحكم الذي ضربه المشركون ، فصعد إلى الجبل ومعه ثُلّة من خيرة أصحابه ، واستبسلوا في الدفاع عنه، فمضى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من أصحابه يشقّون الطريق نحو المشركين ، فأبصره كعب بن مالك رضي الله عنه فنادى بأعلى صوته : " يا معشر المسلمين ، أبشروا فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ، فأسكته النبي - صلى الله عليه وسلم - لئلا يتفطّن إليه المشركون ، لكن الخبر كان قد وصل إلى المسلمين ، فعاد إليهم صوابهم ، وارتفعت معنويّاتهم ، لتعود المعركة أشدّ ضراوة من قبل ، وأقبل أبي بن خلف على فرس له هاتفاً بأعلى صوته : " أين محمد ؟ لا نجوت إن نجا " ، فهبّ إليه قومٌ ليقتلوه ، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - منعهم من ذلك ، ولما اقترب منه طعنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ترقوته ، فاحتقن الدم فيه ، وجعل يصيح ويقول : قتلني والله محمد ، فقال له المشركون : ما بك من بأس ، فقال : " والله لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين " ، فلم يلبث قليلاً حتى مات .

[عدل] قتال الملائكة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-

وروي في الصحيحين أن الملائكة قاتلت يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعن عن سعد قال:"رأيت رسول الله يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عليهما ثياب بيض. كأشد القتال وما رأيتهما قبل ولا بعد" و اعتبروا من الملائكة.

[عدل] الأمنة و النعاس

وعلم الله ما بعباده من الهم والغمّ، والخوف والألم، فأنزل عليهم نعاساً ناموا فيه وقتاً يسيراً، ثم أفاقوا وقد زالت عنهم همومهم، وفي ذلك يقول الله عزوجل:{ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم} ( آل عمران:154)، يقول أبو طلحة رضي الله عنه واصفاً تلك الحال:"كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مراراً، يسقط وآخذه، ويسقط فآخذه".


[عدل] نهاية مقبولة

ويتضح أن يوم أحد كان يوم بلاء وتمحيص اختبر الله عز وجل به المؤمنين. وأظهر لهم مغبة مخالفة أوامره وأوامر رسوله-صلى الله عليه وسلم-. وفضح به المنافقين . ومن فيه على من أراد بالشهادة . فكان مما نزل من القرآن في يوم أحد: إحدى وستون آية من آل عمران ، أولها: {وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال.. } الآيات.

بعدما ظن المشركين أنهم قضوا على أكابر المسلمين أو جرحهم جروحا بالغة مما رد إليهم بعض هيبتهم وكرامتهم ولما رأوا المشركين ثبات هذه الفئة الباقية من المؤمنين و صعوبة القضاء عليهم، أشرف أبو سفيان على الجبل ونادى:"أفيكم محمد؟ فلم يجيبوه. فقال:" أفيكم ابن أبي قحافة؟" فلم يجيبوه. فقال:" أفيكم عمر بن الخطاب؟" فلم يجيبوه. فقال:"أما هؤلاء فقد كفيتموهم. فلم يملك عمر نفسه أن قال يا عدو الله إن الذين ذكرتهم أحياء وقد أبقى الله لك معهم ما يسوؤك. ثم قال اعل هبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم" ألا تجيبوه؟" قالوا:"ما نقول؟" قال:"قولوا:الله أعلى وأجل"، ثم قال:"لنا العزى، ولا عزى لكم"، قال:" ألا تجيبوه؟" قالوا:"ما نقول؟" قال:" قولوا:"الله مولانا. ولا مولى لكم" ثم قال:"يوم بيوم بدر. والحرب سجال"، فقال عمر:"لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار". وهناك اكتفى أبوسفيان بما حققوه، و أنهى القتال وبدأ الجيشان في الإنصراف. ولكن امشركين ما لبثوا بعد ذلك أن تلاوموا فيما بينهم. وقالوا:"لم تصنعوا شيئا، أصبتم شوكتهم ثم تركتموهم وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم. فارجعوا حتى نستأصل بقيتهم".

وعندما بلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نادى في الناس بالمسير إليهم قائلا:"لا يخرج معنا إلا من شهد القتال" فقال له ابن أبي:"أركب معك؟" قال:" لا". فاستجاب له المسلمون -على ما بهم من القرح الشديد- وقالوا:" سمعا وطاعة". وقال جابر:"يا رسول الله إني أحب أن لا تشهد مشهدا إلا كنت معك. وإنما خلفني أبي على بناته فأذن لي أسير معك". فأذن له. فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد، فبلغ ذلك أبا سفيان ومن معه فرجعوا إلى مكة. وشرط أبو سفيان لبعض المشركين شرطا على أنه إذا مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن يخوفهم ويذكر لهم أن قريشا أجمعوا للكرة عليكم ليستأصلوا بقيتكم. فلما بلغهم ذلك قالوا:" {حسبنا الله ونعم الوكيل}".

[عدل] النتائج والعبر

من أهم نتائج هذه الغزوة التالي:

1- استشهاد ما يقرب من سبعين صحابيا من خيرة أصحاب رسول الله -صلى الله عليه و سلم-. كما أسر من المسلمين ما يقرب هذا الرقم.

2- مقتل ما يقارب من عشرين من المشركين.

3- شج رأس الرسول -صلى الله عليه و سلم- وكسرت رباعيته.

4- تحققت رؤيا الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأن أحدا من أقاربه يموت وهو عمه حمزة بن عبد المطلب رصي الله عنه. و عدد من أصحابه استشهدوا لما تأول البقر التي تذبح. وعاد إلى المدينة فلم يلحق به المشركين وهي الدرع الحصينة.

5- استرجعت قريش بعض كبريائها وهيبتها و تصورت أنها تستطيع أن تهزم المسلمين نهائيا. ولهذا عملت لاحقا.

 

وكانت غزوة أحد محنة و اختبار للمسلمين خلصوا منها إلى العديد من العبر مثل:

1- طاعة الله ورسوله هي السبيل إلى النصر، وأي مخالفة لأمرهما تؤدي إلى الهزيمة و الخذلان.

2- حب المال و الغنيمة فتنة يجب الحرص منها على أن تطغى على حب الله و ما أعده الله لعباده من نعيم مقيم في الجنة.

3- الشهادة منزلة عالية يمن الله بها على من يشاء من عباده المخلصين الصادقين.

4- المشركون لا يألون جهداً في الكيد و الهجوم على الإسلام و أهله. ومعظم أهدافهم دنيوية كالجاه و المال.

5- الحرص من الفتنة و الركون إلى الكفار و المنافقين وتنثبيطهم. فهم لا يألون جهداً في ثني عزائم المؤمنين و فتنتهم.

[عدل] المصادر و المراجع

الشبكة الإسلامية

الفصول في اختصار سيرة الرسول لابن كثير.

الرحيق المختوم للمباركفوري.

موقع الإسلام

ملتقى أهل الحديث.

زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم.

السيرة النبوية لابن هشام.


ع · ن · ت
غزوات الرسول
غزوة الأبواء | غزوة بواط | غزوة العشيرة | غزوة سفوان | غزوة بدر | غزوة بني سليم | غزوة بني قينقاع | غزوة السويق | غزوة ذي أمر | غزوة بحران | غزوة أحد | غزوة حمراء الأسد | غزوة بني النضير | غزوة ذات الرقاع | غزوة بدر الآخرة | غزوة دومة الجندل | غزوة بني المصطلق | غزوة الخندق | غزوة بني قريظة | غزوة بني لحيان | غزوة ذي قرد | صلح الحديبية | غزوة خيبر | غزوة عمرة القضاء | فتح مكة | غزوة حنين | غزوة الطائف | غزوة تبوك